وضع داكن
23-07-2026
Logo
الخطبة : 1050 - الصيام ، العبادات الشعائرية لا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الخــطــبـة الأولــى: 

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلن تجد له وليّاً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سَمِعَت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومَن والاه ومَن تبعه إلى يوم الدين. 
اللهم لا عِلم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا عِلماً، وأرِنا الحقَّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

حقائق عن الصيام: 


أيُّها الإخوة الكرام: لا بُدَّ من توضيح بعض الحقائق، التي ينبغي أن تكون واضحةً عند كل مسلمٍ.

1 – الصيام عبادةٌ شعائرية:

الصيام عبادة، وهو عبادةٌ شعائرية، وعلّة وجود الإنسان في الأرض أن يعبُد الله:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

[ سورة الذاريات  ]

2 – لا تصح العبادة الشعائرية إلا بصحة العبادة التعاملية:

لكن كما أنَّ هناك عبادةً شعائرية كالصلاة والصيام والحج، هناك عبادةٌ تعاملية كالصدق والأمانة والعِفَّة، والحقيقة التي ينبغي أن تكون واضحةً كالشمس، أنَّ العبادات الشعائرية لا تصِحُّ ولا تُقبَل إلا إذا صحَّت العبادات التعامُلية، لأنها بمثابة ثلاث ساعات امتحان، الامتحان كان ثلاث ساعاتٍ، والآن ساعتان، هذا الامتحان يُعبِّر به الطالب عن دراسته طوال العام، فإن لم يدرس إطلاقاً، ولم يلتزم، ولم يقرأ، ولم يُراجِع، ولم يداوم، ساعات الامتحان لا معنى لها إطلاقاً.

3 – ليس الصوم جوعاً وعطشاً فقط:

ولنبقَ في الصيام:

(( من لم يدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ بِهِ، فليسَ للَّهِ حاجةٌ بأن يدَعَ طعامَهُ وشرابَهُ ))

[ أخرجه البخاري والترمذي وأبو داود  وابن ماجه والنسائي ]

(( ربَّ صائمٍ ليسَ لَه من صيامِه إلَّا الجوعُ وربَّ قائمٍ ليسَ لَه من قيامِه إلَّا السَّهرُ ))

[ أخرجه النسائي وابن ماجه وأحمد ]

إذاً: الحكمة الأولى من الصيام، تقوية الإرادة على طاعة الله، لماذا؟ لأنَّ الله في هذا الشهر الكريم منَعكَ من المُباحات، منَعكَ من أكل الحلال، ولقاءٍ طيِّب، منَعكَ مما هو مباحٌ لك خارج الصيام، فأنت خضوعاً لله، وتنفيذاً لأمره، واستجابةً له، تدَع الطعام والشراب وسائر المحظورات، هل يُعقَل أن تدَع الطعام الحلال وأن تكذب؟! هل يُعقَل أن تدَع الطعام الحلال وأن تغتاب مُسلماً؟! هل يُعقَل أن تدَع الطعام الحلال وأن توقع بين اثنين؟! كأنَّ الله سبحانه وتعالى وضعك في ظرفٍ صعبٍ جداً، ها أنت قد تركت الطعام والشراب من أجلي، وهو مباحٌ لك خارج الصيام، فكيف تجترئ وأنت صائم على معصيتي؟!
لذلك والكلمة قاسيةٌ جداً: هذا الذي لا يدَع المعاصي والآثام في شهر الصيام وهو صائمٌ، فصومه لا يرتقي إلى مستوى صوم الإنسان، هو صومٌ ما دون الإنسان، حرمانٌ فقط، جوعٌ وعطش، مَثل المُنافِق كالدَّابة حبسها أهلها ثم أطلقوها، فهي لا تدري لماذا حُبسَت؟ ولماذا أُطلقَت؟
فقبل كل شيءٍ، لا يُعقَل، ولا يُقبَل، ولا ينسجم مع المنطِق أن تدَع الطعام والشراب وأن تكذب! أن تدَع الطعام والشراب وأن تغشَّ المسلمين في البيع والشراء، وأنت صائمٌ! لا يُعقَل أن تدَع الطعام والشراب، وأن ترتكب حراماً، وأنت صائمٌ! فلذلك أراد الله سبحانه وتعالى في هذا الشهر الكريم الذي هو عبادةٌ سنوية، أو شِحنةٌ سنوية، أراد أن تقوى إرادتك على طاعة الله، لأنك حينما تركت ما أحلَّه لك، فمن باب أَولى أن تدَع المُحرَّمات.

4 – رمضان يقوِّي الإرادة في الإنسان:

أيُّها الإخوة الكرام: هذا الشهر يُقوي في الإنسان الإرادة، يُقوي إرادة الصبر، يُقوي الصبر على الطاعة، لأنَّ الصبر على أنواعٍ ثلاثة: صبرٌ عن المعصية، وصبرٌ على الطاعة، وصبرٌ على قضاء الله وقدره، الله عزَّ وجل يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

[ سورة البقرة  ]

لعلكم تستقيمون على أمر الله، من أجل الطاعة، من أجل التقوى، ولكن ما اصطفى الله هذا الشهر من بين شهور العام، إلا لتكون الطاعة مُنسحبةً على بقية الشهور، فهذا الذي يعود بعد الإفطار إلى ما كان عليه، ما فهم حكمة الصيام إطلاقاً، ما اصطفى الله هذا الشهر ليكون شهر عبادةٍ، وتوبةٍ، وإنابةٍ وإقبالٍ، وسخاءٍ، وتلاوة قرآنٍ، وعملٍ صالحٍ، إلا كي تترسَّخ هذه العبادة التعامُلية، وأن تنسحِب على بقية شهور العام.
وبالمناسبة، ما اصطفى الله البيت الحرام حيث فيه الصفاء، إلا لينسحب الصفاء على كل البلاد في كل الأمصار، وما اصطفى الله سيد الخلق وحبيب الحقّ، إلا ليكون التعامل معه وطاعة أمره ونَهيه مُنسحباً على كل البشر.

5 – الصيام عبادة الإخلاص:

أيُّها الإخوة: شيءٌ آخر في هذه العبادة، إنها عبادة الإخلاص، كيف؟ أكثر النُظُم الوضعية تُحرِّم السرقة مثلاً، فالذي لا يسرق لا ندري أهو خائفٌ من الله عزَّ وجل، أو من إدارةٍ حازمةٍ جداً، تُنزِل به أشدَّ العِقاب إذا سرَق، فحينما تتوافق الأوامر الإلهية مع النُظُم الوضعية، والإنسان يمتنِع، لا ندري لِمَ فعل هذا؟ أمّا حينما ينفرد الدين بعبادةٍ لا مثيل لها في النُظُم الوضعية، فالذي يصوم هو حتماً مُخلصٌ لله عزَّ وجل، يعني وأنت في البيت، والأبواب مُغلَّقة والنوافذ مُغلَّقة، والوقت شديد الحر، ويوم الصوم طويل، والمياه في الثلاجة باردة، مَن يمنعك أن تشرب الماء، ولا أحد يعلم بهذه المُخالفة؟ كأنَّ الله سبحانه وتعالى أراد أن يُشعرك وأنت صائمٌ، أنك مخلصٌ يا عبدي.

(( قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: كلُّ عَملِ ابنِ آدمَ لَهُ إلَّا الصِّيامَ هوَ لي وأَنا أجزي بِهِ، الصِّيامُ جُنَّةٌ، فإذا كانَ يومُ صومِ أحدِكُم فلا يرفُثْ، ولا يصخَبْ، فإن شاتمَهُ أحدٌ أو قاتلَهُ، فليقل: إنِّي امرؤٌ صائمٌ، والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِهِ، لخلوفُ فمِ الصَّائمِ أطيَبُ عندَ اللَّهِ من ريحِ المسكِ ))

[  أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ]

يُشبه ذلك غضُّ البصر، ليس على وجه الأرض نظامٌ أو توجيهٌ من صُنع البشر، يأمرك أن تغضَّ البصر إلا الله عزَّ وجل، إلا الآية التي في كتاب الله: 

﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾

[ سورة النور ]

فأنت حينما تغضُّ بصرك عن امرأةٍ لا تَحِلُّ لك، ولو تأمَّلت، ولو حدَّقت، ولو نظرت، فليس على وجه الأرض إنسانٌ يشعُر، وليس هناك إنسانٌ يَدين هذا العمل، أنت حينما تغضُّ البصر تُثبِت لنفسك أنك مُخلصٌ، لذلك يمكن أن نُسمّي الصيام عبادة الإخلاص.

(( إنَّ اللهَ تعالى يُبَاهِي بالشابِّ العابِدِ الملائكةَ يقولُ: انظُروا إلى عَبْدِي تَرَكَ شَهْوَتَه من أَجْلِي ))

[ الألباني ضعيف الجامع ]

أنت بالصيام وبغضِّ البصر، تُثبِت أنك مُخلصٌ لله عزَّ وجل، وكأنَّ الصيام عبادة الإخلاص.
المعنى الآخر: أنَّ الأب حينما يُعطي ابنه تعليماتٌ كثيرة، كل هذه التعليمات لصالح الابن، أمّا حينما يُعطيه أمراً بأن يدَع الطعام، والطعام حلال، وهو ابنه وجائع، فإذا امتثل هذا الابن، فهو على درجةٍ عاليةٍ من الأدب، وعلى درجةٍ عاليةٍ من الثقة، فلذلك: (كلُّ عَملِ ابنِ آدمَ لَهُ) ينتهي في النهاية إلى صالحك الدنيوي والأُخروي (إلَّا الصِّيامَ هوَ لي وأَنا أجزي بِهِ) صار الصوم عبادة الإخلاص، وعبادة تقوية الإرادة. 

6 – الصيام عبادة الافتقار:

والإنسان أحياناً يكون غنياً وقوياً، وكل شيءٍ أمامه جاهزٌ، لا يشعُر بعبوديته لله، يظن أنه على كل شيءٍ قدير، بخطأٍ منه، فإذا جاء شهر الصيام، وامتنَع عن الطعام والشراب، وذاقَ مرارة الجوع وحُرقة العطش، يشعُر أنه عبدٌ لله، وأنه على مكانته، وعلى حجمه المالي، وعلى قوَّته، وعلى منصبه الرفيع، مُفتقرٌ إلى كأسٍ من الماء، فكأنَّ الصيام أيضاً عبودية الافتقار إلى الله، أنت مُفتقرٌ إلى كأس ماءٍ تشربه، أنت مُفتقرٌ إلى لقمة طعامٍ تملأ بها معدتك، أنت مُفتقرٌ في وجودك لا إلى ذاتك ولكن إلى ما حولك.
لذلك حينما أراد الله أن يُعبِّر عن بشرية الأنبياء، وصفهم بأنهم يأكلون الطعام، فلمُجرَّد أنك تأكل الطعام فأنت عبدٌ لله، لكن شتَّان بين أن تكون عبد شُكرٍ وبين أن تكون عبد قَهرٍ، فعبد الشُكر عَرَف الله، وأقبَل عليه، وأطاعه، وخضع له، هذا عبد الشُكر جمعه عِباد.

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)﴾

[ سورة الفرقان ]

أمّا عبد القهر، كل مخلوقٍ ولو كان كافراً، ولو كان مُلحِداً، هو عبد القهر، لأنَّ حياته متوقفةٌ على النَفَس، على الهواء، وعلى الماء، وعلى الطعام، وعلى الشراب، مُفتقرٌ إلى طرفٍ آخر يُكمل به نقصه.
إذاً: من معاني الصيام أنه يُشعرك بعبوديتك لله عزَّ وجل، صار عبادة الإخلاص، وعبادة تقوية الإرادة على طاعة الله، وعبادة استشعار العبودية.

7 – الصيام جوعٌ اختياري ومشاركة وجدانية:

هناك شيٌء آخر: أنت في الصيام حينما تصوم أداءً لهذه الفريضة، وتمنَع نفسك الطعام والشراب، فهذا جوعٌ اختياري، أنت اخترت أداء هذه العبادة فأنت جائعٌ وعَطِش، فما قولك بمَن كان جوعه إجبارياً، هذا الفقير، أنت باختيارك تركت الطعام والشراب، ولك عند الله أجرٌ، لكنك تأكل الطعام عند انتهاء اليوم، تأكل ما لذَّ وطاب، فجوعك اختياري، لكن هذا الذي جوعه قصريّ ألا تشعر به؟ أليس هو أخاك في الإنسانية؟ أتكون مرتاحاً إذا شبعت وجاع؟ وآويت إلى بيتك وكان مشرَّداً؟ فكأنَّ الصيام عبادةٌ فيها مشاركةٌ وجدانية، أنت إنسانٌ.

(( مَن لا يَهتمُّ بِأمرِ المُسلمينَ فَليسَ مِنهُم، ومَن لا يُصبِحُ ويُمْسي ناصِحًا للهِ ورَسولِه، ولِكتابِه ولإِمامِه ولِعامَّةِ المُسلمينَ فَليسَ مِنهُم. ))

[ أخرجه الطبراني ]

والله مرةً دُعينا إلى طعامٍ، يبدو أنَّ أحد المدّعوين جاء إلى البيت بشكلٍ استثنائي، فدُعيَ إلى الطعام، أكل بطريقةٍ تُشعِرُك أنه لم يأكل لحماً من سنة، من شدّة نهمه بالطعام، أنت حينما ترى أخاك فقيراً مُحتاجاً، ليس في بيته شيءٌ، ألا تقتضي إنسانيتك أن تعطف عليه؟ أن تُمِدَّه ببعض ما عندك؟ فصار الصيام أيضاً عبادةٌ فيها مشاركةٌ وجدانية.

8 – الصيام من أسباب استجابة الدعاء:

أيُّها الإخوة الكرام: شيءٌ آخر، الصيام من أسباب استجابة الدعاء، والسبب: لماذا جاءت هذه الآية مُقحمةً بين آيات الصيام؟ 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾

[ سورة البقرة  ]

فكأنَّ الله كرَّمك أيُّها الصائم بأن جعلك مُستجاب الدعوة، وفي الآية لفتةٌ رائعة، ذلك أنَّ في القرآن عدداً يزيد عن عشر آياتٍ على الصيغة التالية: 

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)﴾

[ سورة البقرة  ]

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)﴾

[ سورة البقرة  ]

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)﴾

[ سورة البقرة  ]

أكثر من عشر آياتٍ جاءت بهذه الصيغة، إلا الآية الوحيدة التي أُقحِمت بين آيات الصيام: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) ليس هناك كلمة "قُل" (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) أي ليس بينك وبين الله واسطة، ليس بينك أيُّها المؤمن وبين الله واسطة (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) أي أكبر عطاءٍ إلهي في هذا الشهر الكريم، أنَّ الصائم يستجيب الله لدُعائه، فإذا كنت صائماً فادعُ الله (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) .

لا بُدَّ من توافر شروط استجابة الدعاء:


ولكن للدُعاء شروط: (فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) أي إذا دعاني حقيقةً، (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) يُطبِّقوا أمري (وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) إلى الدُعاء المُستجاب، فعليك أن تؤمن بالله أولاً، وأن تستجيب لأمره ثانياً، وأن تدعو الله مُخلصاً ثالثاً، عندئذٍ تغدو مستجاب الدُعاء. 

دعوة المُضطر والمظلوم مُستجابةٌ مع عدم توافر شرط الإجابة:


إلا أنَّ الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم استثنى إنسانين: 
الأول المُضطر: فقد يدعو المُضطر ربَّه  ويستجيب له، لا لأنه حقَّق شروط الاستجابة، ولكن يستجيب الله له لأنه رحيم.
الثاني المظلوم: وقد يدعو المظلوم ربَّه، ولو لم يكن مُحقِّقاً لشروط الاستجابة، لكن الله يستجيب له لأنه عدل، فالله يستجيب للمُضطر وللمظلوم، ولو لم يكن هذان الصِنفان مُحققين لشروط الدعاء، يستجيب للمظلوم باسم العدل، ويستجيب للمُضطر باسم الرحيم، لذلك: 

(( اتَّقُوا دعوةَ المظلومِ، وإنْ كان كافرًا، فإنَّه ليس دونَها حِجابٌ ))

[ أخرجه أحمد ]

أيُّها الإخوة: ألا تكفي هذه الميزة للصائم؟ أنه يغدو مُستجاب الدعوة (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) .

9 – شهر رمضان شهر التكفير عن الذنوب:

شيءٌ آخر: المؤمن مذنبٌ تواب، وما طلب الله منّا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا، وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، فشهر رمضان شهر التكفير عن الذنوب. 

(( مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ له ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِه، ومَن قامَ لَيلةَ القدرِ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ له ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِه ))

[  أخرجه البخاري ومسلم ]

(( مَن قامَ رَمَضانَ إيمانًا واحتِسابًا، غُفِرَ له ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِه ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

فهو فُرصةٌ لا تُعوَّض، وكل الماضي يُزاح عن كاهلك، ما كان بينك وبين الله، يُزاح عن كاهلك في رمضان (مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ له ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِه) و (مَن قامَ رَمَضانَ إيمانًا واحتِسابًا، غُفِرَ له ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِه) .
إذاً هذا الشهر شهر الغُفران، شهر تكفير الذنوب، ومن مقطعٍ في بعض الأحاديث، يقول عليه الصلاة والسلام: 

(( الصَّلَوَاتُ الخمسُ، والجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ، ورَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ: مُكَفِّرَاتٌ ما بينَهُنَّ، إذا اجْتَنَبَ الكبائرَ ))

[  أخرجه مسلم ]

أيضاً هو فُرصةٌ ذهبيةٌ لا تُعوَّض، أن تُزاح عنك جميع الذنوب، من رمضان الماضي إلى رمضان الحالي.
 أيُّها الإخوة الكرام: الصيام والقرآن يشفع لصاحبه يوم القيامة، فقد ورد في بعض الأحاديث:

((  الصيامُ والقرآنُ يَشْفَعانِ للعبدِ، يقولُ الصيامُ: أَيْ رَبِّ! إني مَنَعْتُهُ الطعامَ والشهواتِ بالنهارِ، فشَفِّعْنِي فيه، ويقولُ القرآنُ: مَنَعْتُهُ النومَ بالليلِ، فشَفِّعْنِي فيه، فيَشْفَعَانِ ))

[ أخرجه أحمد والطبراني ]

10 – لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ:

لكن شيءٌ آخر، ثمرةٌ عاجلة: 

(( كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ يُضاعَفُ، الحَسَنةُ عَشرُ أمثالِها، إلى سَبع مِائة ضِعفٍ، قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: إلَّا الصَّومَ، فإنَّه لي، وأنا أجزي به، يَدَعُ شَهوتَه وطَعامَه مِن أجلي، للصَّائِمِ فرحَتانِ: فرحةٌ عِندَ فِطرِه، وفَرحةٌ عِندَ لقاءِ رَبِّه، ولَخُلوفُ فيه أطيَبُ عِندَ اللهِ مِن ريحِ المِسكِ. ))

[  أخرجه البخاري ومسلم ]

حينما يرى الصائم نفسه مُنصاعاً لأمر الله، تاركاً ما أحلَّه الله له خارج الصيام، يذوق الجوع، ويشعُر بالعطش، وتَركَ هذا كله من أجل الله عزَّ وجل.
والله أيُّها الإخوة: هناك منظرٌ يُخرجك من جلدك، في طائرةٍ وفي رمضان، ومعظم الرُكَّاب مُفطرون، قد تقول: هُم مسافرون، أمّا كيف يشربون الخمر في رمضان؟! كيف سيرحمنا الله عزَّ وجل؟ إنسان في طبقات الجو، وتحت رحمة الله، وبخطأٍ صغيرٍ يأتي الخبر وقد مات جميع رُكَّابها، وهو مُفطرٌ، وفوق ذلك يشرب الخمر! اشكروا الله عزَّ وجل على أنه أعاننا على أن نصوم، اللهم أعنّا على الصيام والقيام، وغضِّ البصر وحفظ اللسان.

11 – الصيام فيه تربيةٌ حضارية على الصبر:

أيُّها الإخوة الكرام: 

(( إنَّ في الجنةِ بابًا يقالُ له الريَّانُ، يقالُ يومَ القيامةِ: أين الصَّائمون؟ هل لكم إلى الريَّانِ؟ من دخلَهُ لم يظمأْ أبدًا فإذا دخلوا أغلِقَ عليهم، فلم يدخلْ فيه أحدٌ غيرُهم  ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ]

يدخُل منه الصائمون يوم القيامة إلى الفردوس الأعلى، بابٌ خاصٌ للصائمين يُقال له الريان، لكن لو تعمّقنا في حكمة الصيام، لوجدنا أنَّ الصيام فيه تربيةٌ حضارية.
الإنسان يُعاني من تحدياتٍ، يُعاني من ضائقةٍ، يُعاني من مشكلاتٍ، يُعاني من أعداءٍ شرسين، يُعاني من خِططٍ ماكرة، كيف يستطيع الإنسان أن يصمُد أمامها؟ هو يحتاج إلى صبرٍ، الصبر مفتاح الفرج، الصبر قيمةٌ حضاريةٌ كبيرةٌ جداً، أراد الله عن طريق هذا الشهر أن يُعوّدك على الصبر.
أحياناً يقلّ الدخل، فأنت بين خيارين، إمّا أن تُمالئ السلطان، وإمّا أن تَمُدَّ يدك إلى الحرام، الصيام عوَّدك على الصبر فتصبِر، فتنجو من هذين المُنزلقين الخطيرين.
شهر الصيام يُربّي الإنسان على تحمُّل المشقَّات، على تحمُّل الحَرّ والماء ممنوعٌ، على تحمُّل الجوع والطعام ممنوعٌ، على تحمُّل الصلاة، صلاة قيام الليل والتراويح، على تحمُّل الذهاب إلى المسجد بعد الفجر، المشي في الظُلمات إلى بيت الله عزَّ وجل، الصيام تربيةٌ لهذا الإنسان الذي حمَّله الله الأمانة، تربيةٌ لهذا الإنسان الذي أَوكَلَ إليه نقل هذا الدين إلى الأُمم والشعوب، الصيام هو الحد الأدنى من الصبر، أراد الله سبحانه وتعالى في هذا الشهر، أن يُعوّدك على الصبر، قد تواجه مشقَّةً، قد تواجه تحدّياً، قد تواجه فقراً، ومن أجل ألّا تقع في مُنزلق أكل المال الحرام، عوَّدك على الصبر، من هذا المعنى يقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "اخشوشنوا فإنَّ النِعَم لا تدوم" .
إذا عوَّدت نفسك على الخشونة في الطعام والشراب من حينٍ إلى آخر، لو جاء ظرفٌ قاهرٌ فإنك تصبر، والأمور أيُّها الإخوة ليست نحو الأحسن في العالم كله، الأمور نحو الأسوأ، الذي يحصَل في العالَم أنَّ الأغنياء بوضعٍ استثنائيٍ يزدادون غنىً فاحشاً، وأنَّ الفقراء يزدادون فقراً، والوضع ليس نحو الانفراج في العالَم كله، فهذا الشهر يُعوّدنا على الصبر، لذلك قال تعالى: 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)﴾

[ سورة البقرة  ]

الصبر سلبي، والصلاة إيجابية، أنت إذا اتصلت بالله عزَّ وجل، عوَّضك الله خيراً مما فقدت، وقد ذكر ابن القيِّم في طريق الهجرتين هذا الأثر: "ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتُّك فاتك كل شيء، والله أحب إليك من كل شيء" .
الآية دقيقة: (اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) الصبر امتناعٌ والصلاة تعويض، تُعوِّض عمّا خسرت بإقبالك على الله، لذلك:

  فَلَيتَكَ تَحلـو وَالحَياةُ مَـريرَةٌ        وَلَيتَكَ تَرضى وَالأَنامُ غِضابُ

وَلَيتَ الَّذي بَيني وَبَينَكَ عامِرٌ        وَبَيني وَبَينَ العـالَمـينَ خَـرابُ

إِذا نِلتُ مِنكَ الوُدَّ فَـالكُلُّ هَيِّنٌ        وَكُـلُّ الَّذي فَوقَ التُرابِ تُرابِ

[ أبو فراس الحمداني   ]

12 – الصيام عبادةٌ جماعية:

هناك شيءٌ آخر: في الأُمة الإسلامية ظاهرة الصيام تلفِت النظر، ففي وقتٍ واحدٍ يأكل جميع الناس، وفي وقتٍ واحدٍ يمتنع جميع الناس عن الطعام والشراب، وفي وقتٍ واحدٍ يتوجَّه الناس جميعاً إلى بيوت الله، وفي وقتٍ واحدٍ يُصلّون.
مثلاً: في أي مدينةٍ إسلاميةٍ، مع أذان المغرب قد لا تجد أحداً في الطريق، أُمةٌ منظمةٌ نظاماً دقيقاً، يُشعِرُكَ أنَّ هذا الدين دين النظام.
وهناك شيءٌ آخر: الدين جماعي، الصيام عبادةٌ جماعية، فلو أنَّ الصيام كان اختيارياً لاختار كل إنسانٍ ثلاثين يوماً على ذوقه، لم يعُد عبادةً جماعية.
مرةً جاءوا بلجنةٍ من بلدٍ بعيدٍ، من أجل تنظيم المرور في الحج، فاجتمعت شهراً، ودرست الأمر، وخطَّطت، وجمعَت، وطرحت، وقسَّمت، وبعد شهرٍ قدَّمت تقريراً، يقترحون فيه أن يكون الحج على خمس دوراتٍ، فلم يعُد عبادةً جماعية!
لو أنَّ كل واحدٍ يصوم ثلاثين يوماً، بالمفكرة يكتب كما يحلو له، ما عادت عبادةً جماعية، عبادة النظام وعبادةٌ جماعية، الناس جميعاً ينتظرون أذان المغرب، ولا يقدِر إنسانٌ أن يضع قطرة ماءٍ في فمه قبل سماع الأذان، والناس جميعاً يُمسِكون في وقتٍ واحدٍ، هذا الشيء يُعلِّم النظام.
أيضاً الصلاة  في المسجد تُعلِّم النظام، خارج المسجد هناك مراتب، يوجد رتبةٌ عسكرية، رتبةٌ مدنية، وزير، معاون وزير، صاحب متجرٍ كبير، مدير مؤسسة، مدير شركة، آذِن، مُستخدَم، في المسجد لا أحد يتخطّى رقاب أحد، كلٌّ في مكانه.
والحج عبادة، ليس هناك طوافٌ لعِلية القوم، ولو كنت مَلِكاً لا بُدَّ من أن تطوف مع الناس، فالحج عبادةٌ جماعيةٌ فيها مساواة، والصلاة عبادةٌ جماعيةٌ فيها مساواة، والصيام عبادةٌ جماعيةٌ فيها مساواة، فهو عبادة النظام وعبادةٌ جماعية، تشعُر بانتمائك للمجموع.
لكن أبلَغ من ذلك، أنت حينما ترى إندونيسيا تصوم معك وتُفطِر معك، وفي بلادٍ بعيدةٍ في شمال الصين، خمسون مليون مُسلمٍ يصومون مثلك، تشعُر بانتماءٍ أُممي، أنت لست إقليمياً، أنت أُممياً، الإحساس بالانتماء الأُممي، ديننا دينٌ عالمي، والإحساس بالانتماء الإيماني، فكل المسلمين في العالَم يصومون، ويفطِرون، وعندهم رؤية هلال، وعندهم إثبات رمضان، وعندهم صلاة التراويح، فلذلك هذا يُشعِرُك بالانتماء الأُممي، والانتماء الإيماني، ويُشعِرُك أنَّ هذا الدين عالمي، وأنه دين البشرية قاطبةً.

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107)﴾

[ سورة الأنبياء  ]

13 – رمضان شهر الفتوحات والمعارك:

ولحكمةٍ بالغةٍ بالغةٍ بالغة، كانت المواقع الكُبرى، والفتوحات العُظمى في رمضان، ففتح مكَّة في رمضان، معركة حطين الحاسمة في رمضان، عين جالوت في رمضان، ولمَّا اعتُرِضَ على مَن قصف بلداً إسلامياً في رمضان قال: ألم تكن غزوة بدرٍ في رمضان؟ استخدم التاريخ استخداماً شيطانياً، ألم تكن غزوة بدرٍ في رمضان؟
أيُّها الإخوة الكرام: الحديث عن حِكم الصيام من أجل تثبيت الإيمان، لكن هناك كلمةٌ قالها بعض العلماء لا تُنسى، فقد ذهب عالِمٌ من دمشق إلى أمريكا، والتقى بعالِمٍ أمريكيٍ مُسلمٍ، وجاء ذِكرُ لحم الخنزير، فهذا العالِم المُسلم، أفاض وأجاد في الحديث عن ضرر أكل لحم الخنزير، وبعد ساعةٍ ابتسم هذا العالِم الأمريكي المُسلم وقال: كان يكفيك أن تقول لي: إنَّ الله حرَّمه، لذلك قالوا: عِلّةُ أيّ أمرٍ أنه أمر، نحن من ضعف الإيمان نُبيِّن ونوضِّح ونفصِّل، لكن إلهٌ عظيم قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .

14 – رمضان شهر الفوائد الصحية:

الآن لو دخلنا في موضوعٍ آخر، شيءٌ لا يُصدَّق، هذا الجسم بحاجةٍ ماسَّة إلى شهرٍ في العام كي ترتاح الأجهزة، وكي تَقلّ نِسَب الدهون في الدم، فهو دورةٌ وقائيةٌ علاجيةٌ، دورةٌ وقائيةٌ من معظم الأمراض، ودورةٌ علاجيةٌ لبعض الأمراض في الصيام، ولكن من باب الأمانة، هذا الذي يصوم من أجل صحته فقط ما صام رمضان، هذا شهر عبادةٍ، تصوم لأنَّ الله فرضه عليك، لكن حِكم الله عزَّ وجل لا تُعد ولا تُحصى، فهناك ضغط الدم ينخفض، نِسَب الأسيد أوريك تنخفض، نِسَب الدهون تنخفض، الكولسترول ينخفض، الضغط ينتظم، لا تبتعد كثيراً، إذا قنَّن الإنسان طعامه شهراً يشعُر بنشاطٍ لا يوصَف، وكأنَّ هذا الشهر أعاده سنواتٍ إلى الوراء، اقترب من الشباب، وقد ورد: 

(( صوموا تصِحُّوا، يعني حديث: اغزوا تغنَموا، وصوموا تَصِحُّوا، وسافروا تستَغْنوا ))

[ أخرجه الطبراني والعقيلي وأبو نعيم ]

أيُّها الإخوة الكرام: الإنسان أحياناً بذكاءٍ وبعنجُهيةٍ يقول لك: ضربت عصفورين بحجرٍ واحد، الله عزَّ وجل إذا أمر بالصيام فقد ضرب مليون عصفور بحجر.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لِما بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله ربِّ العالمين.

* * *

الخطبة الثانية 

الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلُق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 

لا بُدَّ أن تحافظ على ما كنت عليه في رمضان على مدار السنة: 


أيُّها الإخوة الكرام:

(( كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أجودَ الناسِ بالخيرِ، وكان أجودَ ما يكون في شهرِ رمضانَ حتى ينسلِخَ ، فيأتيه جبريلُ فيعرضُ عليه القرآنَ، فإذا لقِيَه جبريلُ كان رسولُ اللهِ أجودَ بالخيرِ من الرِّيحِ الْمُرسَلَةِ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

لذلك من المُفضَّل أن تُؤدَّى الزكاة في رمضان، ومن المُفضَّل أن تُؤدَّى زكاة الفطر في وقتٍ مبكر حتى ينتفع بها الفقير، الأَولى أن تُؤدَّى زكاة المال في رمضان، وأن تؤدَّى زكاة الفطر في وقتٍ مبكرٍ من رمضان، وعند الإمام الشافعي تصِحُّ أن تؤدَّى في أول رمضان، وأن تكون زكاة الفطر مُجزيةً، لأنَّ حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، والمُسلمون في رمضان يتراحمون، والذي أخشى ما أخشاه على إخوتنا الكرام، أن ينقلب هذا الشهر من شهر عبادةٍ إلى شهرٍ اجتماعي، شهرٍ فلكلوري، شهرٍ لمُتابعة البرامج، هذا لا يليق بالمُسلم، هذا شهر عبادةٍ.
فلذلك كلنا نرجو من الله أن يُعتِقنا من النار في هذا الشهر، أن يرحمنا الله في هذا الشهر، أن يغفر الله لنا الذنوب في هذا الشهر، فلذلك لا بُدَّ من جُهدٍ جهيد، فالعادات التي لا تُرضي الله، ينبغي أن تُترَك في رمضان وبعد رمضان، بشكلٍ أو بآخر، درجٍ وكل عامٍ نصعد درجةً ونستمر، أمّا أنَّ كل عامٍ نصعد درجةً، وفي واحد شوال ننزل ونرجع كما كُنّا، فما استفدنا شيئاً، هذه: 

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92)﴾

[ سورة النحل ]

فإذا ألِف إنسانٌ صلاة الفجر في رمضان في المسجد، يُنتظَر أن يُتابِع ذلك بعد رمضان، والذي ألِف أن يُصلّي العشاء في المسجد:

(( مَن صلى العشاءَ في جماعةٍ كأنما قام نصفَ ليلةٍ، ومَن صلى الصبحَ في جماعةٍ فكأنما صلى الليلَ كلَّه))

[ أخرجه مسلم ]

وأنت في رمضان تُصلّي التراويح عشرين ركعةً، بعد رمضان صلِّ العشاء صلاةً مُتقنةً مع سُنَنِه ووتره.
العادات الحسنة التي ألِفتها في رمضان، ينبغي أن توطِّن نفسك على متابعتها بعد رمضان، قراءة القرآن في رمضان كل يومٍ ينبغي أن تتابعها بعد رمضان، غضُّ البصر في رمضان ينبغي أن تتابعه بعد رمضان، من أجل أن نُحقِّق نتائج الصيام، وإلا ما استفدنا شيئاً. 

الدعاء:


اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحقِّ ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُّ من واليت ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هَبّ لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم اعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضِنا وارضَ عنّا، أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شرّ، مولانا ربَّ العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم لا تؤمِنّا مكرك، ولا تهتِك عنّا سترك، ولا تُنسنا ذكرك يا ربَّ العالمين.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام وأعزَّ المسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، انصُر المسلمين في كل مكان، في مشارق الأرض ومغاربها، وفي شمالها وجنوبها يا ربَّ العالمين، اللهم اعطِ كل ذي سؤلٍ سؤله.
اللهم أعنّا على الصيام والقيام وغضِّ البصر وحفظ اللسان، وأدخلنا الجنَّة بسلام.

الملف مدقق

والحمد لله ربِّ العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور